قطعا ليس هذا هو الطيب صالح، ولا شخصيات أخرى حاول السودانيون الربط بينها وبطل الرواية، حيث يظل مصطفى سعيد محض اختراع وخيال لذهن الروائي المتوقد، لشخص عانى ما بين ثقافته الشرقية والثقافة الغربية، وهذا النزاع أو الجدل الذي شكّل الثيمة الأساسية لهذا العمل الذي اختير ضمن أفضل مائة رواية عربية كتبت في القرن الماضي.

صيت الموسم

ونشر الطيب صالح “موسم الهجرة إلى الشمال” في منتصف الستينات ونشرت أولاً في مجلة حوار اللبنانية، في سبتمبر 1966 ثم في كتاب في العام نفسه صدر عن دار العودة في #بيروت، وحققت صيتاً بعد أن كتب عنها الناقد المصري رجاء النقاش، وقد وصفت وقتذاك على خط العديد من الأعمال التي ناقشت موضوع الصراع بين الشرق والغرب، مثل رواية “الحي اللاتيني” لسهيل إدريس، و”قنديل أم هاشم” ليحيى حقي، و”عصفور من الشرق” لتوفيق الحكيم وغيرها.

الجنس والعنف

غير أن “موسم الهجرة” تميزت بطابعها العنيف في اعتمادها الجنس كمحور للصراع، ومن ثم مزج ذلك بالطابع المحلي الذي طبع أعمال الطيب صالح في عكس التراث السوداني، لاسيما لبيئة شمال البلاد التي عاش الطيب فيها طفولته قبل أن يرحل للدراسة بالخرطوم، ومن ثم يهاجر للعمل في البي بي سي في لندن.

نهاية مفتوحة

وقد مثلت موسم الهجرة نقلة في أعمال الطيب صالح بعد نشره رواية “عرس الزين” ومجموعة “دومة ود حامد” القصصية، فكلاهما كان يقوم على البيئة السودانية البحتة وعالم قرية كرمكول منشأ الطيب صالح التي أسماها في أعماله “ود حامد”.

وإذا كان بطل موسم الهجرة يعود إلى كرمكول نفسها كشخصية غامضة، ويعيش بين أهلها ويتزوج من بناتهم وينجب أبناء، ليكون ذلك الشخص الغريب بين أهل بلده، بغربته الذاتية، فقد فشل في أن يكون مندمجاً سواء: في الغرب الذي استطاع أن يستوعب ثقافته ومعارفه حتى أصبح أستاذاً جامعياً ومؤلفاً كبيراً في العلوم السياسية والاقتصاد، كذلك فشل في الاندماج في البيئة المحلية التي جاء منها لتنتهي حياته في النهر منتحراً، أو أنه غاب ليبدأ حياة أخرى! وهي النهاية المفتوحة التي يتركها الطيب صالح لهذا الأثر العظيم.